صفي الرحمان مباركفوري
38
الرحيق المختوم
القرآن لا ينكر نفع الخمر والميسر وإنما يقول : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [ البقرة : 219 ] . 2 - ومن تلك الأخلاق الوفاء بالعهد ، فقد كان العهد عندهم دينا يتمسكون به ، ويستهينون في سبيله قتل أولادهم ، وتخريب ديارهم ، وتكفي في معرفة ذلك قصة هانئ بن مسعود الشيباني ، والسموأل بن عاديا ، وحاجب بن زرارة التميمي . 3 - ومنها عزة النفس وإباء عن قبول الخسف والضيم ، وكان من نتائج هذا فرط الشجاعة ، وشدة الغيرة ، وسرعة الانفعال ، فكانوا لا يسمعون كلمة يشمون منها رائحة الذل والهوان إلا قاموا إلى السيف والسنان ، وأثاروا الحروب العوان ، وكانوا لا يبالون بتضحية أنفسهم في هذا السبيل . 4 - ومنها المضي في العزائم ، فإذا عزموا على شيء يرون فيه المجد ، والافتخار لا يصرفهم عنه صارف ، بل كانوا يخاطرون بأنفسهم في سبيله . 5 - ومنها الحلم ، والأناة ، والتؤدة ، كانوا يتمدحون بها إلا أنها كانت فيهم عزيزة الوجود ، لفرط شجاعتهم ، وسرعة إقدامهم على القتال . 6 - ومنها السذاجة البدوية ، وعدم التلوث بلوثات الحضارة ، ومكائدها ، وكان من نتائجه الصدق والأمانة ، والنفور عن الخداع والغدر . نرى أن هذه الأخلاق الثمينة - مع ما كان لجزيرة العرب من الموقع الجغرافي بالنسبة إلى العالم - كانت سببا في اختيارهم لحمل عبء الرسالة العامة ، وقيادة الأمة الإنسانية والمجتمع البشري ؛ لأن هذه الأخلاق وإن كان بعضها يفضي إلى الشر ، ويجلب الحوادث المؤلمة ، إلا أنها كانت في نفسها أخلاقا ثمينة ، تدر المنافع العامة للمجتمع البشري بعد شيء من الإصلاح ، وهذا الذي فعله الإسلام . ولعل أغلى ما عندهم من هذه الأخلاق وأعظمها نفعا بعد الوفاء بالعهد هو عزة النفس والمضي في العزائم ، إذ لا يمكن قمع الشر والفساد ، وإقامة نظام العدل والخير ؛ إلا بهذه القوة القاهرة ، وبهذا العزم الصميم . ولهم أخلاق فاضلة أخرى دون هذه التي ذكرناها وليس قصدنا استقصاءها .